اللامكان
بقلم: أماني هاني عمارة
دائما ما كنت أستمع لحديث جدتي وكنت أنصت إليها بجميع دواخلي إلى أن استمعت إلى قول غريب أُلقى على مسامعي ولم تكن سوى جدتي من قالته، قالت: "ابحث عن ذاتك في اللامكان"، سألتها: "ما معني هذا؟" قالت: "أقصد ابحث عنها في نفسك، فهي تكمن في دواخلك".
شعرت بالضياع بقولها، وكأني طفل ولست بالعشرين من عمري، ولكن الآن فهمت مقصدك جدتي، فهمت عندما نظرت في وجوه البشر ولم أجد نفسي، عندما تذكرت نظرة الحنان تلك التي كنتي تعطيني إياها، أنا الآن أعيد حساباتي وأبحث عن نفسي، أثناء بحثي قابلت في ذاكرتي أناس ندمت أشد الندم على معرفتهم، وأناس أبكي بألم على مفارقتهم، قابلت صديق طفولتي وذكرياتنا معًا، قابلت حبيبتي أثناء تخرجنا معًا، قابلت اللعب واللهو وكم كنت فتًا طائش، حقًا لا أصدق، أنا الآن أسخر من مراهقتي، قابلت صديقي وهو يودعني للسفر، وقابلت الذكرى التي تفطر قلبي عليها ألا وهي رحيلك جدتي عن وجه الأرض وتفترشين عرش السماء، أنا الآن أقابلهم في ذاكرتي فقط، أين هم ليسوا معي الآن ولا أريد أحدًا بجواري، فيا هذا ويا ذاك ويا كل أسماء الإشارة، أتركوني فأنا لا أريد أن أكون من المتكلم في هذا الحديث، ولا أخاطب، ولا أشارك في حديث الغيبة عن شخص آخر، عذرًا، فأنا أقدس وحدتي، وإن اشتاق إليَّ شخص؛ فليبحث عني وسيجدني في اللامكان.
.jpg)
تعليقات
إرسال تعليق