"ذكريات ضائعة"

القائمة الرئيسية

الصفحات

بقلم: عزة إسماعيل

كان يومًا عاديًا، هادئًا، ليس به أي شىءٍ من الريبة، تحتله درجةٌ عاليةٌ من البرود حتى رأيتُها.



_ آلين، كيف الحال؟

_ متى كان بخير!

_ مَن تقصدين؟

_ الحال.

_ أكرهك، أيًا يكن جابريل بالخارج.

_ إذًا؟

_ اذهبي لرؤيته، اجلسي معه بعض الوقت.

_ لن أفعل.

_ ستفعلين.

_ لن أجادل معكِ حتى، أنا ذاهبةٌ للنوم.


«قلت لها هذا ودخلتُ الغرفة وأغلقت من ورائيَّ الباب، لكنها التصقت بالباب وهمست لي حتى لا يسمعها أحد».


_ إنه خطيبك يجب أن تخرجي إليه، آلين أرجوكِ تعلمين أن هذا الزواج مهم، إن لم يتم الزواج بينك وبين جابريل فستطردكِ أُمي من البيت، أخرجِ وقابليه أرجوكِ آلين.

_ أنتِ حتى لا تهتميه لأمري كما تدعين إيلانا، تفعلين كل هذا فقط كي يوافق جابريل علي زواجِ أخيه أرثر منك.


«لكنها لم ترد وكأنها تؤكد لي تِلك الحقيقة، فقط ظلت تهمسُ لي بكلمة أرجوكِ».

«لم أحتمل الأمر أكثر، ارتديتُ ملابسي وقفزتُ من النافذة، كان الجو باردًا، لكنه في كل الأحوال أكثر دفئًا وأمنًا من ذاك البيت، سرتُ إليَّ وجلستُ على صخرةٍ قريبةٍ من الماء وبقيت أتأمل صفاء الماء، صوتُ الرياحِ وهو يداعب أوراقَ الشجر، ضفادعُ البحيرة وهي تُغني ليلاً مع الجراد حيثُ أن المكان هادىءٌ ومناسبٌ ليعزفوا تلك المقطوعةَ الليلية دون أن يعكر صفوهم أحد، إلا أن هناك مزعجٌ ما جاء بالفعل وأصدر صوتًا بخطواتِ أقدامه».


_ أوه، آسف، لم أقصد خافتك، أرجو أنكِ لم تفزعي كثيرًا.

_ لم أفزع بالأساس.

«رددت عليه ببرود».

_ آه، حقًا جيد إذًا أنكِ لم تفزعي، إذًا ماذا تفعلين ليلاً في هذا الجو.

_ ما شأنك؟

_ فقط سألتُ لغرابة الأمر.

_ الغريب حقًا أن يخرجَ شخصُ مثلك ليلاً بدون نظاراته، رأيتك صباحًا في مخبز السيدةِ كلارا كنت تضع نظاراتٍ لتحسين الرؤية.

_ في الواقع سأخبركِ سرًا.


«قال ذلك وهو يجلسُ على الصخرة بجواري وينظرُ إلى البحيرة».


_ ليس لدي أي عيبٍ في عينيِّ، لكن أمي تُلبسُني هذة النظارات منذ كنتُ صغيرًا، عندما سألها أبي عن السبب أخبرته أنها تخافُ عليا من أن أُحسد؛ لأن عيناي رماديتان وهذا شىءٌ نادرُ الحدوث؛ لذا فكرت في أن توهِم الناس أن لدي علةً ما في عينايَّ.

_ تمزح، أليس كذلك.

_ أوه، ابتسامتُكِ جميلةٌ وهادئةٌ للغاية، وكأنك لست تِلك الفتاةَ الباردة التي طردتني منذُ قليل، أيًا يكن اسمي ألبير ماذا عنك؟


«قال ذلك وهو يمدُ يداه لمصافحتي».


_ آلين، اسمي آلين باركر.

_ إذًا أنتِ هيَّ آلين باركر، كنتُ أتمنى رؤيتكِ منذُ فترةٍ طويلة.

_ رؤيتي أنا!

لا تقل لي أنك من المعجبين التي تستغلهم السيدةُ كلارا.

_ لكن لما ذكرتها بالمستغلة؟

_ لأنني لا أبيع الكتب، أن فقط أكتب لرغبتي في ذلك، أما هي فتسرقها من غرفتي لتبيعها بمقابلٍ مادي، لكن تبقى القليل من الضمير لديها فكتبت اسمي على الكتب قبل بيعها لدور النشر.

_ لكن لما لا تعترضين على ذلك ما دمتِ لا تريدين.

_ لأنها تجعلني أعيش في بيتها وتهتمي لأمري قليلاً، صحيحٌ أنني أعمل في مخبزها مقابل ذلك، لكن لا بأس إن أخذت الكُتب وباعتها في الواقع أنا لا أهتم للأمر كثيرًا.

_ لكنكِ كاتبةٌ رائعة، لكِ تأثيرٌ كبيرٌ على القراء وكأنكِ تتحكمين بمشاعرهِم أثناء قرائتهم للكتاباتك، تختارين أحداثًا معينة في أوقاتٍ معينة تجعلين القارىء يتفاعلُ بشكلٍ كبير مع قصصك.

_ وماذا في ذلك؟ ليس الأمر مهمًا بالنسبةِ لي حتى.

_ يبدو أنكِ تعانين جدًا مع السيدة كلارا، ماذا لو ساعدتك؟

_ لم أطلب مساعدتك.

_ إذًا دعينا لا نقل أنها مساعدة، من الممكن أن نقول أنها مصلحةٌ مشتركة.

_ لم أفهم!

_ أنا صحفي في صحيفةِ "وايت داي"، مديري هددني بالطرد إن لم أقم بلقاءٍ صحفي جيد خلال أسبوع، يقول أنني لا أصلح لشىء وأن هذة فرصتي الأخيرة.

_ وماذا بعد؟

_ أظن أن الأمر سيحتلُ العناوين الأولى في كل الصحف، لقاء صحفي بين الصحفي الفاشل «ألبير كامو» والكاتبةِ الصغيرة «آلين باركر»

وهكذا ستكون فرصةً جيدة لكلانا.

_ لِما وصفتني بالصغيرة.

_ لأنكِ تبدين صغيرة.

_ لدي ثمانية عشر عامًا.

_ أكبر مما توقعت لكن هذا لا يعني أنكِ كبيرة، لم تخبريني ما رأيك في اللقاء الصحفي؟

_ لا أهتم.

_ أرجوكِ آلين الأمر مهمٌ بالنسبة لي، كما أنه يمكنكي وقتها ترك بيت السيدةِ كلارا وعيشُ حياةٍ مستقلة.

_ لِما دائمًا عليَّ فعل الأمر لأنه فقط مهمٌ لغيري، أنا لا أحب التضحيات.

_ لكن هذا لقاءٌ صحفي يا آلين لن تُضحي بشىء، لِما تُخرجين انزعاجكِ عليَّ الآن.

_ ربما لأنهم يفعلون ذلك دائمًا عندما يزعجهم أحد ما يأتون ليُفرِغوا غضبهم بي أنا، حتى أنهم يرونني الشخص الذي أزعجهم، في مرةٍ سرق طفلٌ صغير رغيف خبز من المتجر وعندما ساعدته على الهرب من كلارا، قالت لي أنني سارقه لذا ساعدتُ من هو مثلي ومنعت عني الطعام لمدة يومٍ كامل عقابًا على هذا، والآن ابنتها تريدُ مني الزواج بذاك الغبي جابريل كي تستطيع هي الزواج من أرثر، تبًا لهم ليحترقوا جميعًا أنني أكرههم حقًا.

_ آسف حقًا لكل شىءٍ تعرضتِ له، لكن إن قبلتِ إجراء ذاك اللقاء الصحفي ربما تتحسن الأمور.

_ حسنًا، يبدو أنك مُصر كما أنني لا أملكُ طاقةً للجدال أكثر، دعنا لا نُطِل هذا الأمر.

_ إذًا سنجري ذاك اللقاء غدًا.

_ كما تريد ، سأذهب الآن.

_ وداعًا.

_ صحيحٌ ألبير لِما لم تحتَج على أمك عندما كَبرت وتخلع هذه النظارات.

_ لأنها لم تكن موجودة، لأنها ماتت.

_ على الأقل تعلمُ أنها ماتت، حسنًا وداعًا.

_ وداعًا.

في التالي...


_ آلين.

_ ماذا؟

_ أين كنتِ ليلة البارحة؟

ألن تتوقفي عن الخروج كل ليلةٍ هكذا، إلى أين تذهبين أنت حتى لم تقابلي جابريل عندما أتى، أتريدين أن تصيبيني بالجنون أما ماذا.

_ لدي عمل ما يجب أن أقوم به، لا تقلقي لن أتأخر عن المخبز.


«قلت هذا وخرجتُ من المنزل متجاهلةً صراخها المعتاد عليَّ».


_ صباح الخير آلين.

_ لننتهي من هذا الأمر سريعًا، أنا حتى لستُ واثقةً من نجاحه فقط لننتهي.

_ حسنًا كما تريدين، لنبدأ.

_ دعنا من تلك الأسئلة الروتينية المعتادة لنتجاوزها وندخل في الأمور التي قد تثير الفضول عند البعض مثلًا ما الذي دفعكِ للكتابة؟

_ ليس هناك سببٌ محدد، إن الأمر غريزةٌ فطريةٌ لدي، أشعر بأن هناك حواراتٍ بين أشخاص ما في عقلي الأمر أشبه بأن تقرأ أفكار أحدهم، إنها كما يسمونها بنات أفكار كأن هناك من يهمس في أذنك بقصصِ أُناسٍ آخرين.

_ لننتقل للسؤال التالي، لِما يموت معظمُ شخصياتِ قصصك؟

_ لأقطع أمل القارىء واعتقاده بأن النهاية سعيدة، فمثلاً إن افترقت الأم عن طفلها الصغير قد تعثرُ عليه مستقبلاً لكن إن ماتت الأُم لن يكون لدى القارىء أملٌ في اجتماعهما مجددًا.

_ ما الشىء الذي يجب وجودهُ عند الكاتب؟

 أي أنه إن لم يكن متواجدًا لديه لن يكون كاتبًا.

_ القراءة يجب أن يكون قارئًا.

_ أيهما تفضلين أكثر القراءة أم الكتابة؟

_ ماذا تفضلُ أن تكون في مسرح الجريمة المجرم أم الضحية؟

_ شهدت الفترةُ الأخيرة اعتزال كُتابٍ كُثر برأيك ما السبب؟

_ لا أحد يبدأ في الكتابة ويتوقف، الأمر ليس بهذه السهولة إن توقفوا عن الكتابة في العلن فهم يكتبون سرًا، هُم فقط مرهقون من العالم فيعكسون الأمر على مثل هذه الأمور.

_ من هي عائلةُ آلين باركر؟

_ لا أعلم.

_ ماذا تقصدين؟

_ جِئتُ للسيدة كلارا وأنا في سنٍ صغيرة، وكنتُ فاقدةً للذاكرة ولا أعلم شيئًا عن عائلتي.

_ ألم تتذكري بعدها أبدًا؟

_ لا.

_ حسنًا يبدو أن لقاءنا انتهى.

_ سأعود للمخبز.

_ إلى اللقاء.

في صباح اليومِ التالي ...


«تناولتُ فطوري بسرعة وارتديتُ معطفي في عجالةٍ وأنا أخرج دون الإلتفات لحديث السيدة كلارا الصباحي المعتاد؛ لأقابل ألبير في الثامنة

صباحًا عند البحيرة كما اتفقنا بالأمس».


_ صباح الخير.

_ صباح الخير، هل تبدين متحمسةً قليلاً؟

أم هذا ما يبدو لي فقط؟

_ قليلًا، هيا أخبرني ما الأخبار.

_ لقد نجحنا وبتفوق، اللقاء الصحفي سيكون بكل الجرائد اليوم، أهنئك.

_ ماذا عن المال؟

_ لقد أرسلته الجريدة إلى عنوانك.

_ حسنًا.

_ أأنت ذاهبة؟

_ نعم.

_ هل سأراكِ هذه الليلة.

_ لا أعلم.


في المخبز...


_ ألم يصل شىء إلى المنزل اليوم بعد رحيلي سيدة كلارا؟

_ نعم لقد وصل ظرف أموالٍ بإسمك من أين لكِ بهذا المال؟

_ ما شأنك، أعطني إياه.

_ آلين، لا أريدُ رؤيتكِ مجددًا لقد اكتفيت منكِ حقًا، حتى جابريل جاء صباحًا بعد ذهابك لقد ضجر منك وأيضًا لن يتزوج آرثر بابنتي لقد دمرتِ حياتها اغربي عن هُنا.

_ بل أنا من أنا اكتفيت حقًا منكم جميعًا أعطني مالي ولن تريني مجددًا.

_ ليس لكِ شىءٌ عندي.


«قالت هذا وهي تدفعُني خارج المخبز لقد تجمدت تمامًا من الصدمة حتى الأموال التي كنتُ أضعُ عليها أملاً ذهبت هي الأُخرى، سرتُ في الطرقات لا أعلمُ إلى أين، لكنني كنتُ أشعرُ بانهيارٍ كارثيٍ بداخلي، سرتُ حتى البحيرة وجلست على الصخرة أبكي كثيرًا كما لم أبكي من قبل، بكيت كل شىء يحدثُ لي حتى حل المساء.»


_ آلين لم أتوقع مجيئك الليلة!

_ لقد طردتني من المنزل وأخذت نقودي.

_ يبدو أنكِ كنت تبكين سيكون كل شيء بخير فقط اهدئي، حقًا يمكننا حل كل شيء.

_ كيف؟

_ في الواقع لقد طُردتُ بالفعل من الجريدة، لكن على الأقل لم يأخذا مكافئتي، أي أنني أستطيع أن أفتح عيادةً نفسية بهذه الأموال وأن نكسب منها قوت يومنا، كما أنني أسكن بالمنزل بمفردي يكنني أن أعيركِ غرفةً منه.


«قالها وهو يضحك»


_ ماذا؟ هل أنت طبيبٌ نفسي؟

_ نعم.

_ وما الذي جعلك تعملُ بالجريدة.

_ لقد كان حادثًا، احترق منزلنا فقدتُ أمي في هذا الحريق واضطررتُ لبيع عيادتي لأكسب بعضًا من قوت يومي، وبعدها صرتُ أعمل بالجريدة فقد كان معي كليتين: الصحافة والطب.

_ آسفة لما حدث لوالدتك، لكنك كنت مجتهدًا كيف طردوك من عملك.

_ غباء لقد خسروني بغباءهم.


«قالها وهو يضحك»


_ حسنًا وأنا يمكنني أن أكتب وأقوم ببيع كتبي لأدفع إيجار الغرفة.


«وظلا يضحكان سويًا».


بعد خمس شهور...

_ لقد عدت.

_ يبدو أنك سعيدٌ ومتحمسٌ اليوم.

_ في الواقع لقد كان زبائننا كُثرٌ اليوم، في الواقع أحزن لأن الحياة دمرت حياة أناس كثر، لكنني سعيدٌ لأن عملي يجري بشكلٍ جيد.

_ حسنًا تعال لنأكل، لقد تأخر الوقت ويجب أن تنام لتكون نشيطًا غدًا عند ذهابك للعمل.

_ حسنًا.


«كنت أشعر بالأرق هذه الليلة، انتصف الليل ولم أنم بَعد حتى سمعتها تبكي بصوت عالٍ في الغرفة المجاورة فذهبتُ سريعًا».


_ آلين، ما بك؟ لما تبكين.

_ أنا آسفة، آسفة جدًا يا ألبير كل هذا بسببي.

«احتضنتها حتى تهدأ، لكنها ظلت تبكي كثيرًا، ثم هأت بعد فترةٍ طويلة».


_ ماذا هناك آلين؟ لقد أخفتني.

_ لقد تذكرتُ كل شيء، كانت تصنع لي الطعام وأنا كنت أمسكُ بطرف ملابسها بيداي الصغيرتان، وعندها انشغلت أمي بي ولم أشعر بشيءٍ سوي بالموقد وهو يقع فوق أمي، لقد كانت تحترق يا ألبير لقد فزعت كثيرًا فخرجتُ من المنزل وأنا أجري حتى اصطدمت بشجرة وبعدها استيقظتُ في منزل كلارا.


«تجمدت حواسي تمامًا بعد سماع هذا، أحقًا هذه أختي الصغيرة ناتاشا؟

بعد كل هذه السنين أجد أن آلين هي ناتاشا حقًا؟

احتضنتها وجلسنا نبكي نحن الإثنان طوال الليل إنها حقًا ناتاشا، إنها أختي الصغيرة».


بعد عام ...


_ صباح الخير ألبير.

_ صباح الخير صغيرتي ناتاشا.

_ سنذهبُ اليوم لوالداي.

_ لقد أصبحتُ جاهزًا لنذهب.


عند قبرهما...

_ صباحُ الخير أمي لقد اشتقنا إليكِ كثيرًا، لكنني أشعرُ بكِ دائمًا أعلم أنك تعتنين بي، وأنت يا أبي لقد اشتقت لك كثيرًا لكنني أريد أن أشكو لك ألبير؛ إنه يهتم بعمله أكثر مني حتى أنه نسيّ عيد ميلادي السابق.

_ أنت، ألم أذهب ليلاً لأشتري لكِ قالب حلوى..

_ لكنك نسيت عيد ميلادي.

_ هل سنتشاجر هُنا حقًا، كم أنتِ طفلة.

_ ألبير.

_ ناتاشا.

_ أحبك أخي.

_ وأنا أيضًا أحبكِ كثيرًا.

تعليقات

7 تعليقات
إرسال تعليق
  1. كلامك رائع جداً و انتي أروع 😍💎

    ردحذف
  2. مُبدعة كَالعادة يا عزتي ❤️.

    ردحذف
  3. جميل أوي 💙

    ردحذف
  4. جميل أوي🙊💙
    بالتوفيق يا قمر🙊💙

    ردحذف
  5. أجمد كاتبة .. مش محتاجة كلام 💗💗💗💗💗

    ردحذف
  6. جميل؟
    جميل بشكل اللهمَّ بارِك، جميل شبهك🖤".

    ردحذف
  7. النهارده بعمل كومنت في يوم غير اللي قرأتها فيه، قرأتها تاني، انبهرت وكأنها اول مرة.. تسلسل احداث ونهايات غير متوقعه بالمرة، جميلة زي عادتك يازوزااا ♥️♥️♥️♥️♥️👏

    ردحذف

إرسال تعليق

التنقل السريع