بقلم الدكتوره: نجلاء يوسف إبراهيم
عندما تطرح على مسامعنا الجزائر وأمجادها، لا يتبادر إلى أذهاننا سوى دماء شهدائها، أولئك الأشخاص الذين دفعوا أرواحهم فداء الوطن، تعددت أسمائهم فيغ قواميس التضحية؛ فلمع من بينهم إسمًا، فكان هو الذي يدعى "عباس لغرور".
- مولده ونشأته:
ولد عباس بن محمد الملقب بـ "لغرور" في الثالث والعشرين من جوان ١٩٢٦م بالـ "أنسيغة" أو "خنشلة" في عائلة متوسطة الحال بمعيار ذلك الوقت شأنه شأن كل الجزائريين الذين ذاقوا الفقر والجهل والحرمان والاحتلال، ترعرع وسط عائلة محافظة رأس مالها الوطنية الصادقة، عُرفت باسمها "النضال في الحركة الوطنية". ينتمي عباس لغرور إلى عرش لعمامرة، وهو فرع أمازيغي يعود إلى قبيلة هوارة البربرية التي تحتل الأجزاء الشرقية من الوطن إلى حدود باجة التونسية، وهذا العرش "لعمامرة" صغير بالنسبة لجيرانه وإخوانه النمامشة والحراكته، ومضارب هذا العرش "خنشلة" وما يحيط بها من جميع الجهات، حيث تعد خنشلة المدينة مركز القبيلة ويقدر اتساعها بحوالي ١٥ كلم، كما ينقسم عرش لعمامرة إلى فروع هي:
- أنسيغة.
- أولاد بودرهم.
- الرباع.
- أولاد يعقوب.
تتحتل أنسيغة المنطقة التي تحيط بخنشلة من الجهة الشرقية والجنوبية وجزء من الجهة الغربية؛ حيث تقع خنشلة نفسها داخل حدود هذا الفرع.
ولد عباس محمد ابن عمار وأمه ليتيم العطرة وينتميان إلى القبيلة نفسها، وهى الزوجة الأولى لوالده وهي أرملة عم عباس لغرور ويدعى "صالح"، وقد تزوجها والد عباس بعد وفاة عمه ليحضن ابنتي أخيه صالح ومنها ولد: عباس، ومصباح، وشعبان، وبوعزيز، أما الزوجة الثانية لوالده فمنها ولد: عمار صالح، الزهرة، زرفة، عائشة، مازوزية، وزينة.
والد عباس رجل متعلم يحفظ جزءًا هامًا من القرآن الكريم، وهو من أعيان القبيلة غير الرسميين بمدينة خنشلة ويحظى بثقة واحترام الجميع.
عاش والد عباس الملقب بـ" موحند أو عمار موالا" أي مربيا للماشية، وكان يمتلك عشرات الهكتارات من الأراضي الواقعة بالدوار الواقع عند سفح جبلين "جبل الجحفة"، وجبل "جمري" اللذان يتقاطعان مشكلين حرف ٧ وهذان الجبلان كانا مأوى لرجال الثورة التحررية.
عائلة عباس لغرور كانت تعيش في ظروف مقبولة نسبيًا مقارنة بأوضاع معظم الجزائريين، فلا ننسى أن السياسة الاستعمارية الخاصة بنزع الأراضي من أهاليها جعلت أكبر عدد من العائلات الجزائرية تعيش فقرًا مدقعًا، فقليلاً من الجزائريين بقوا ملاكًا لقطع من الأراضي، أما آخرون من المحظوظين فكانوا يعملون كعمال يوميين لدى المستوطنين أو كخامسة "بأخذ خمس إنتاج عرق جبينه" لدى هؤلاء الذين تسلب منهم كل أراضيهم من أبناء وطنهم؛ فلقد عمدت السياسة الاستعمارية إلى تجريد الأهالي من أراضيهم الصالحة للزراعة وتهجيرهم إلى الأراضي الجرداء القاحلة، مما تسبب في إفقارهم وتجويعهم، فتحت نير الاستعمار تمت مصادرة أراضي لغرور من طرف معمر يدعى لويس بريسات والغريب في الأمر أنه بواسطة أحد أفراد العائلة استطاع عباس أن يقنع والده بتسليمه قطعة أرض مساحتها سبعه هكتارات، واعتبارها حصته من الإرث، وقد باعها إلى المستوطن BRUSSIT مُدعيًا مشروعًا تجاريًا وهو شراء مقهى بالعاصمة، وفي الحقيقة كانت الأموال موجه لتمويل صندوق.
- تعليمه:
اهتم والد عباس بأبنائه إهتمامًا خاصًا، ومن أجلهم اشترى منزلاً بمدينة خنشلة عام ١٩٣٠ ، أي بعد ميلاد عباس بأربع سنوات، كان ملكًا لعائلة فرنسية تدعى"قرانج" حسب عقد الملكية، وبهذا الإجراء تمكن والد عباس من أن يكون على مقربة من الكتاب والمدارس، وبهذا ضمن فرص التمدرس لأبنائه.
تحصل عباس على الشهادة الابتدائية بالفرنسية وهو القدر المسموح به من قبل الاستعمار، وإن لم يصرح به ومستوى لا يقل عن الابتدائية بالعربية، وتحصل شعبان على الشهادة الابتدائية بالفرنسية أيضًا وتكوين مهني في المدرسة المهنية فرع الحديد.
ودرس عمار عدة سنوات بالمدرسة الفرنسية، وبالكتاب، ولم تتوج دراسته بأي شهادة.
صالح أصغرهم، تابع دراسته بالفرنسية لمدة سنة واحدة، ثم انقطع بسبب قيام الثورة، ونفي العائلة من خنشلة إلى متوسة، وقد اكمل دراسته بعد الاستقلال في المشرق العربي، ولشدة اهتمام والد عباس بتعليم لابنائه فإنه أثناء تنقل العائلة إلى الصحراء في رحلتيها الشتوية والصيفية لمرافقة القطيع، كان يصطحب معه معلم القرآن حتى يسهر على تحفيظ أبنائه ما تيسر من القرآن الكريم، وهم الذين لم يبلغوا سن التمدرس.
قضى عباس الأربع سنوات الأولى بنسيغة وفي هذا العام ١٩٣٠م اشترى والده -كما سبق القول- منزلاً بمدينة خنشلة وانتقلت العائلة إلى المدينة وبها قضى سنتين دارسًا القرآن ومبادئ الدين واللغة العربية، وبعد بلوغه سن السادسة أدخله والده المدرسة الفرنسية، فدرس بها سبعة أعوام ليتوقف في القسم النهائي بعد حادثة كرة السلة.
وحقيقة هذه الكرة أن مجموعة من الأوربيون كانوا يلعبون كرة السلة في ملعب يقع بالقرب من دار العائلة لغرور، وأنه في إحدى المرات ضاعت فيها الكرة وطلب من عباس أن يعيدها فأبى معتبرًا ذلك إهانة وعمل غير لائق ومهمة رخيصة لا يقوى على القيام بها، وهو صاحب النفس العزيزة والكريمة، فأعتذر ورفض المهمة بكل صراحة قائلا "أنا لا أعيدها" (١)
- زواجه:
تزوج عباس عام ١٩٥٠ من قمرة بوغرارة بنت محمد، وأنجب منها بنت سميت شريفة، وقد توفيت فى عامها الأول ١٩٥١ ثم حسينة عام ١٩٥٢ وهي متزوجة بخنشلة، وأم لخمسة أولاد وثلاثة ذكور وبنتان، وطارق ولد في أبريل ١٩٥٣، موظف بمطار العاصمة وهو أب لأربعة أولاد ذكور منهم واحد يحمل كلمة السر لأول نوفمبر اسمه "خالد عقبة" وبصعوبة تم قبوله من طرف مصلحة البلدية، توفيت أرملة الشهيد في ٦ جوان ٢٠١٠ بمستشفى عين النعجة بعد مرض عضال أغلبه من مخلفات الاعتقال والتعذيب في السنوات الأولى من الثورة.
- التحاقه بعالم الشغل:
بعد أن انقطعت به السبل وتقدمت به السن، بحث عن عمل؛ فوجده في البداية عند الحاكم وذلك بواسطة أحد أقاربه الذى كان يشتغل بدار الحاكم فوظف كطباخ لمدة جمع فيها بين العمل والنضال السياسي إلى أن كان ذلك اللقاء الذي جمعه بمسؤول الحركة الوطنية في حركة الانتصار للحريات الديمقراطية حشاني إبراهيم، وعقب اللقاء مباشرة تم استدعاؤه من طرف الحاكم العام وتم بحثه، ومن ثم تم تبليغه بقرار الفصل عن العمل من مهنته كطباخ. بعد طرده مباشرة توجه عباس إلى فتح دكان له بالسوق العامة بخنشلة، خصصه لبيع الخضر، فكان له ذلك المحل وسيلة للارتزاق وللعمل السياسي السرى في آن واحد، وفيه كانت تتم اللقاءات التي تجمعه بمناضلي الحركة الوطنية.
- نضاله السياسي:
التحق عباس لغرور بالحركة الوطنية وبالطريقة التي يلتحق بها سائر المنخرطين فيها، ففيىالبداية وجد نفسه معجبًا يشارك في مظاهرات ٨ ماى ١٩٤٥ التي كانت مظاهرة سلمية فىطي بدايتها، ثم تطورت بعد محاولة قمعها إلى رد فعل عنيف انتهى بالتنديد بسياسة الاستعمار الذى اخلف بوعده، وضرب عرض الحائط بكل ما وعد به أيام الحرب على النازية، ثم أصبح بعد ذلك مناضلاً سياسيًا يمارس عمله في سرية تامة مثله مثل سائر المناضلين في جميع أنحاء الوطن ومع حلول عام ١٩٤٧ تاريخ إنشاء المنظمة السرية، كان عباس لغرور قد اكتسب خبرة وأبدى نشاطًا مهمًا لصالح الحركة، ولذلك تم اختياره ضمن الثلث المختار من أعضاء الحركة ليكون عضوًا في المنظمة السرية، للجناح المسلح للحركة الوطنية تحت قيادة مصطفى ين بولعيد مسؤول المنظمة على مستوى الدائرة وبهذه الصفة التقى بمسؤولين مهمين على مستوى الدائرة وعلى المستوى الجهوى والوطني. (٢)
- اغتياله:
غادر الجزائر إلى تونس في شهر أكتوبر ١٩٥٦ برفقة عدد من الإطارات منهم عدد من الطلبة الذين غادروا مقاعد الدراسة؛ لتحرير الوطن أمثال منتوري محمود. وكان ينوي عقد مؤتمر مصالحة بين قادة الولاية لغرض اتخاذ موقف موحد بجانب قادة الثورة بالخارج حول قرارات مؤتمر ٢٠ أوت ١٩٥٦، إلا أن مؤامرة دبرت لإفشال المؤتمر كما اعتقل في نفس الوقت قادة الثورة بالخارج إثر تحويل طائرتهم.
وقد اُغتيل عباس لغرور يوم ٢٥ جويلية ١٩٥٧ في تونس مع عدد من إطارات الثورة الجزائرية من طرف رفقاء الثورة في ظروف لا تزال غامضة.
- خاتمة:
وهنا نسدل الستار عن عَلَم من أعلام الحرية، ورمزٌ لكفاح طويل من أجل عزة وطن كان وسيظل لنا الأم. (٣)
- مصادر ومراجع:
١- غرابي سمية: عباس لغرور ودوره في الثورة التحريرية ١٩٤٦-١٩٥٧م (مذكرة تخرج مكملة لنيل شهادة الماستر في تخصص التاريخ المعاصر)، ٢٠١٥ - ٢٠١٦ .
٢- تابليت عمر: الأوفياء يذكرونك يا عباس، دار الألمعية للنشر والتوزيع، ط ٢، ٢٠١٤ .
٣- Wikipedia.org: عباس لغرور.

تعليقات
إرسال تعليق