تخنقني الحياة بأصفادها؛ فقد ضاق صدري حقًا مِنْ أثقالها، تفزعني الحياة مِنْ شدة صَفاعَتِها، تسحب الأكسجين الذي يُحاوطني؛ فَتضيقَ أنفاسي، وتؤرقَني حتىٰ في مَنامي، وتَثير الشتات بِعقلي وحَواسي، تُمزق قلبي إلىٰ أشلاءِ، وها أنا جاثية كَالجثمانِ، لا حول لي ولا قوة، وغيرِ قادرةً على التَّعافي، صدح الضباب بِعقلي، ولكني اعتزل نفسي وانفرد بأحزاني، أتظاهر بالأييْدٍ، محاولةً إقناع كُل مَنْ يرانِي أنّي بِخير وعلىٰ ما يُرام، ربما أشعُر بِالقليلِ مِنْ الآلم بِصدري، وقد أشكو مِنْ بعض نوبات البُكاء، وبالكاد أخفي أنّي أختنق، ولكني قررت وأقدمت على الصمود، حتىٰ وإنْ كانت النيران تحرقني، وأذابت رَوحي بِنيرانها، ولكني حقًا أبدو بِخير، أو رُبما نجحت بالتظاهرِ بِهذا، ولكني أقدمت علىٰ أن أمنح لنفسي ولرئتايَ أن تستنشق بعض الهواء، حتىٰ وإنْ كُنتُ أعلم أنهُ مُحملًا بِبعضِ السموم؛ لعله يُهدأ من نيران فؤادي، ويزيحُ الغبارَ مِنْ صدري، وها أنا اعتزل بغُرفتي المُعتمة التي تُشبه عتمة رَوحي في عتمتها، مُحتلًا شُرفتي، أُنفثْ بها عن ضيق صَدري وعتمة أيامي، وخِذلاني من الأقربينَ واتخذتُ قطتي رفيقةً تأنسني عُزلتي، وتشاركني وحدتي، وها أنا أنظر لها مُتحسرةً علىٰ نفسي؛ فَإنِي أرىٰ الحُزن بِعينيها لأجلي، بينما عائلتي تجلس بالخارج، أسمع صوت ضحكاتهم تخترق أذاني، غير مُهتمينَ بِما يدور حَولي، ولا مُلمينَ بأبسط تفاصيلي، غير مُلاحظينَ تُغيُّري، ولا سائلينَ عن سبب انعزالي الدائم، يبدو أنهم يكفيهم مِني أنهم يرونِي أتحرك أمامهم حيَّةً، وأنّي لازلتُ علىٰ قيد الحياة، بينما ذاكَ الحيوان الذي لا يفهم ولا ينطق، يشعُر بي، وبآلامي؛ بل ويُشاركني إياها، ويُرافقني غُربتي التي من المُفترض أن تكونَ مَوطني، فَالغريبُ في موطنهِ، كالمُتوفي الذي حُرقَ جُثمانه حيًا ونُثرَ رَماده أمام عينيهِ؛ فلا حياةً لِجُثة هامدة نُثِرَ رَمادها، حتىٰ وإن احتُبست بِقاياها بعالم لعين أسقط عليها لعنته.
بِقلم : عزة إبراهيم

تعليقات
إرسال تعليق