وَدَعني الجميع ورَحلوا دونَ حتى وداعٍ أخير، رِفقًا بِقلبي؛ فَرحلتُ بِقدمايَ أنا الأخرىٰ إلى حيثُ تَكمُن حقيقتي، ومرآةَ انعكاس رَوحي المُهشمة، الواهنة، مُسقطة لِأقنعتها من الجمودِ والقوة الزائفة، رَحلتْ قدماي إلى مكانٍ يعزُلني عن الجميع، ويُحيطني بِصدىٰ الأصواتِ التي تنبع من أعماقي الواهنة، قارعةً لطبولِها الأزيزية التي لم تستطع السماء رغم عُلوِّها أَنْ تَفلت من غَضَبِها الجامح بِأعماقها؛ فَتخبطت كُل تلكَ المشاعر الضارية بِداخلي بِهيئة أزيزٍ مع السماء العُليا؛ فَكونتْ سُحبًا غاضبة، تُماثل ذاكَ الغضب المدفون بِأعماقي، على وشك الانفجارِ كَالبركانِ مُعلنةً انهيارها إلى أمطارٍ تُغطي الكون بِأكلمهِ، وهكذا أتانِي المطر مُودعًا فَصل الشتاءِ، وكأنهُ يُطبطب على رَوحي، ويُخبرني أنَّهُ لن يخذُلني كما فعل الجميعُ بي، ويقولُ لي ها أنا قد وفيتُ بِوعدي، كما لم يفعل الذين سَبقوني، وقاموا بِالرحيلِ دُونَ وداعٍ يليقُ بِلينِ قلبكِ، أتيتُ لِأودعكِ وأمسح بِمائي على قلبكِ المهموم والمخذول من الجميع، أتيتُ لِأُربت على يَديكِ قبل انتهائي وأسري بالسماءِ من جديدٍ، وها أنا أجلسُ وحيدةً هُنا، يحتضني المطر، وأُوَدِعَهُ بِكلِّ شوقٍ، وألقي بِكل شظايا رَوحي؛ لعلها تَخمد مع المطرِ، وألقي بِكلِّ ذكريات الماضي؛ ليأخد بها مع وداعهِ، وتطيبُ جِراحي المُلتهبة بِنيرانِ الحنين للماضي؛ ولكنَّ عِناق المطر الأخير كان مُواسيًا لِرَوحي بِقدرٍ جعلني أقوىٰ، وأجلسُ آمِلةً بِحلولِ فصلٍ جديد، يبعث بِروحي السَّكينة من جديد، وهذا يُعني أن انتهاء فصلٍ ما هو إلاَّ بدايةٌ لِفصلٍ جديد، وهكذا وَدعني المطر بِغيثٍ يحمل بين ثناياهُ سعادةً سَتغمر قلبي عن قريبٍ بِحلول فصلٍ جديد.
بقلم : عزة إبراهيم

تعليقات
إرسال تعليق